Sunday, March 9, 2014

دماء في كفرطاب

كفتي ترعرعت في كفر طاب بوسط الشام ، فهناك مجال كبير لتأمل البيئة في مدينتنا الصغيرة علي عكس حلب و الموصل التي تضج بالحياة و الصخب ، امشي في الشارع الرئيسي للبلدة احفظ دكاكينها حتي لو كنت مغلق العينين اعرف حينما امر بالاسكافي فرائحة الجلد تفوح من دكانه ،و كذلك العطار و مختلف الدكاكين .
في كفرطاب الروائح متميزة كلا منفصل عن الاخر تعرف من اين جاء الشخص بمجرد العبور بجانبه ، علي عكس حلب التي كنت اقضي بها ست شهور من السنة لتعلم القرآن و السنة ، كنت من اصغر اهل القرية التي يلتحق هناك بالمدرسة النظامية لحلب ، لطالما كان هذه الميزة عن بعض كبار البلد تعتبر نقمة لي ، فبدل من استمتع مع اهلي في ست شهور في كفرطاب كنت كلما اخرج الي البلدة اتعرض للمضايقات لمن هم في سني و اكبر ، تملكهم الكره لي من قبل ان يعرفوني لمجرد ان اباءهم يودون لو كانوا مثلي و يتعلموا شيء مفيد مثلي في حلب .
حتي الان اتذكر كل مرة اخرج من بيتي بعد ما اعبر سوق البلدة يتخطفني بعض الحمقي اشتم في روائحهم السنديان و الصنوبر من كثر تسلقهم للاشجار فلا هنالك شيء يفعلونه طوال اليوم غير اللهو و اللعب ، ياخذونني بعد فقرة كبيرة من الضرب و السب فلا ارد علي ضربهم و سبهم فيزدادهم غضبا ، لا يعرفون لما اباءهم يفضلوني عنهم ، ثم يقحموني في بيت الكلب الخاص بعم عامر العطار ، بعد ان يهموا بالذهاب و تنسحب رائحة الصنوبر التي كنت امقتها لا اعرف بسببهم ام لطالما كرهتها ، ابتدي اشم رائحة جميلة من الخزامي ، " الي اين تذهبين يا رقية  " " ساخرج فتي كل اسبوع من بيت الكلاب لقد ادخله اطفال الحي في بيت الكلاب مرة اخري "
يفتح باب البيت اخرج مغمض العينين لافتحهم لاري الخزامي ماثلا امامي بلون خمري و شعر اسود ككحل العين الذي يزين عينيها الواسعتين  ، كثيرا حاولت ان اتكلم مع رقية، ينعقد لساني و تسلم قدماي امرها للرياح فاجري باتجاه البيت ، كان حي رقية من احياء الاثرياء علي عكس الحي الذي اسكن فيه ، و برغم من صغر بلدتنا الا اني لم ان اعرفها جيدا ، كل ما اعرفه عنها رائحة الخزامي تعني لي رقية .
مرت السنين لكن حصلت بعد التغيرات الطفيفة فلم يعد شباب البلدة يقحمونني في بيت الكلب ، فمن بعد سن السادسة عشر و بعد ووفاة امام البلدة اصبحت انا الامام فكانا يهابون اذيتي حتي لا يغضب منه الله كما فهموا من اهلهم ، امشي الان في انحاء البلدة امتع اذني و انفي بها و اتحسس من بعيد حي الاثرياء حتي تستوقفني رائحة الخزامي التي كانت تمثل لي شيء واحد فقط ، المحها من فوق سور البيت اتسلق شجر الصنوبر التي اكرهها لاري وجهها الوضاء ، تغير عودها امتلأ الجسد في بعض المناطق اصبحت حسناء و اسما حقا يطيب بها ( رقية ) ، عند باب رقية لا تنبح علي كلاب البيت لطالما ألفوا رائحتي كما الفت رائحة الخزامي التي تحررني من حبسي ، اذهب الي حلب - و قلبي معلق بكفرطاب -  لتحصيل العلم من شيخي و متابعة ما يحدث علي الساحة ، لقد عُدت العدة لما يسمي بي الحملة الصليبية الاولي علي بلادنا ، يشاع في بلاد تسمي بلاد الفرنكة في اوروبا بعد بلاد الروم بان المسلمين يعذبون المسحيين في القدس و يمنعوهم من الحج ، بعض الاخبار التقطاها اثناء تواجدي في مسجد السلطان بحلب ، كتيرون يعتقدون ان البلاد لن يلحقها خطر فحكام البلاد من السلاجقة و التركمان سيدافعون عن البلاد و لا احد يقدر عليهم فهم غلبوا الروم و اخذوا منهم الكثير من البلاد فكيف سيقوي الفرنكة علي هزيمتنا و نحن نعصف بمن هو اشد منهم من الروم.
اذهب الي كفرطاب يوم الخميس و اهم بالرحيل ليلة الجمعة و قبل ان اقبل علي البيت تكون رائحة الوليمة التي اعدتها امي تستقبلني ، تنوع في المآكل بط عراقي تارة و حمام تارة ، رائحة الحبهان و الزيتون التي تميز اكل امي تفوح في انحاء الحي اجمع ، فاليوم ياتي الامام كما تقول ، امي لا حديث لها معي الا عن الزواج ، " الن تتزوج يا بني ؟" ، " سمي اي بنت من الحي و سنزوجك ايها " ، " انت درة كفرطاب يا بني و كثير من العائلات تتمني نسبك " ، يرد ابي عليها " ابعد ان وطأت قدماه الموصل و حلب و دمشق تعتقدين انه سيتزوج من كفرطاب ، بعد ان راي العجم و الافارقة و الروم و مختلف بنات البلاد انت تحلمين يا ام الامام " ، " مالهم بنات كفرطاب يا رجل ، احمد الله علي ان واحدة منهم رضيت بك  ، و انت فلاح من بلعبك " ، يقهقه ابي ، دائما ما ينقذني من هذه المواقف ، ان لست متعفف عن الزواج يا امي لكن من اريدها حقا بعيدة المنال ، لا يزوجوها الا لكبار القوم لذر در قلعة او امير حاجب ديوان ، ساظل اشقي بين بلاد العجم و العرب و الروم و قلبي هنا في كفرطاب آه من الخزامي .
تتطور الاحداث في الشام علي عكس السنين السابقه فحدث ما كان يستبعده الكثيرون هُزم قلج ارسلان ملك سلاجقة الروم في نيقية من الفرنكة و اصبحوا يحتلون البلد بعد البلد ، دخلوا الرها شمالنا و قتلوا من قتلوا فيها لانها استعصت عليهم في فتحها حتي الارمنيون بني جلدتهم لما ينفدوا من بطشهم ، سيطروا علي معظم الشام في ثلاث سنين و اصبحت نصف اعمال حلب و كفرطاب تحت ايديهم ، اصبحت انا بعيدا عن بلدتي ، لا مكان للاشخاص الذين يحرضون ضد الصلبيين كما يسميهم البعض ، اسكن الان الجبال مع بعض المنبوذين مثلي فرائحة الاشجار الوافرة و الرمال المندية  اهون علي من ان اسكن في بلدتي التي اصبحت تعج براحة المعدن المختلط بالعرق و روث الخيول التي لا تنفك دوريتها تتجول بالبلدة ، فحامية البلدة تبحث عن اي دليل لنا ، فكما يطاردوننا نطارد نحن مؤنهم الاتية من حلب و سروج و انطاكية او دمشق و الموصل ، انتم من سكنتم بلدتنا و استبدلتم طيب ريحها بعفن ابدانكم ، اضطررنا الي سلب مؤنكم لنؤمن عيشنا ، لا يهم حامية من تسير بالبلاد فحامية السلاجقة و الفرنكة متشابهين يعسفون باهل البلاد اجمع مسلميها و مسيحيها ، حتي يوفر رغد العيش لعسكرهم لا هؤلاء دولة اسلامية و لا هؤلاء صلبيين كما يدعون اجمع .
تحالف العاطل مع الباطل كل هم تجار البلدة البيع لمن يدفع مالا اكثر فصار الاهالي اكثر شراسة لغلاء الاسعار و اكثر جوعا ، زاد المنبوذين و اكتظت الجبال ، زادت المسئولية علي الرجال ، يذهبون الي سلب المؤن و يتمنوا ان يلاقوا حتفهم كي يحمل اي شخص اخر حمله الذي اثقل كاهله ، ذهبت رائحة الاشجار و الرمال و حلت رائحة الموت ان له رائحة مميزة لا تقدر علي وصفها ، عندما تجدها في الهواء و بمجرد استنشاقها تحس بالخوف تنظر خلفك و امامك ويقشعر بدنك ، يعيش الخلق الان في كرب فتجد الام الان تسعد عند موت احد اطفالها يقول لسان حالها " الان ارتاح احدهم و توفر قوته للأخرين " ، ايمكن ان تفرق الان ما كانت ملة هذا الجسد ، للترنيم ام للآذان كان يخفض رأسه ، الان و الان فقط جسد بلا رائحة فبعد ان يتركه الموت يصير كالصخر حتي الصخر اميز له رائحة اما الان هذا الجسد لا اعرفه.
بدات اخرج مع الرجال لسلب المؤن بعد ان قل رجال الجبل و زادت الافواه ، بعض القوافل تتعاطف مع حالنا و تعطينا جزء من الزاد مقابل عدم اخوض في قتال ، لقلة عددنا نرضي لكن في بعض الاحيان تستميت القافلة علي زادها و يرتفع صليل السيوف و تنتشر رائحة الدم و المعدن يعلو رغاء الجمال تقع الاقوات علي الارض تنتشر رائحة البهار و الزاد ناخذ ما قدر علي حمله و نرحل مخلفين جراح فيهم و فينا.
اذهب الي بلدتي من الحين للاخر استطلع اخبارها فلا احد يعرفني حق معرفة الان فبعد مرور عشر سنوات تغير حالي و تغير حال البلدة . صار الحي الذي كنت اسكنه في فقر مدقع ازور امي و ابي خلسة ، اطوف في حي الاثرياء و التجار فاجده كحاله لكن ضاعت منه بهرجته التي كانت تميز الحي ، فكلما لاحظ الحاكم بهرجة علي الحي زاد من ضرائبه ، لا يوجد الان الا رائحة الصنوبر و الكافور التي تملا شوارع الحي ، ذهبت لمجلس البلدة اري لما اجتماعهم الطارئ ، قرر تجار البلدة وضع حامية علي قوافلهم من اهل البلد ، هم ايضا يضربهم الذل و المهانة فلكما تم سلب قافلة يتهمهم جامعي الضرائب بانهم يمولون المنبوذين حتي يتهربوا من الضرائب فتزداد الضرائب اكثر و اكثر ، بعد ان سمعت هذا الخبر المشؤوم فالأن سيطعن اهل القرية بعدهم البعد من اجل الاقوات الا لعنة الله علي هذا الخراب و مسببيه ، اذهب الي بيتها لعل حزني يمحي اذا نظرت الي وجهها او شممت عبيرها ، فلم ازداد الا كمدا سمعت الخادمين يتكلمون عن زواج الابنة و نجاتها من كفرطاب فعلي الاقل ستتزوج احد اعيان الموصل و تبعد عن المعاناة في بلدتنا و لعل اهلها يلحقوا بها بعد مدة من زواجها ، يتراقص الخدام فرحا بما عرفوا فهم ايضا سيرحلون معهم الي الموصل ، كيف كنت امني نفسي بزواجها لم يكن هناك املا من الاساس لهذا ، كم كنت غبيا ايها الطفل الذي ظننت نفسك امام و عالم باحوال البلاد و العباد ها قد صفعتك الدنيا لتستفيق ، مشيت في انحاء البلدة حتي استوقفتني رائحة الشعير و العنب المخمر لأرفع راسي فأري بيت غريب لم اعهده من قبل كأنه سبيل من سبل حلب و الموصل لكن رائحته مختلفه فلا طعام فيه فقط شراب ، لسان حالي يقول للبيت " ها انت ذا جئت في وقتك " ، دخلت البيت اري عرب عجم فرنكيين بعض اثرياء كفرطاب ، هذا الشيء الوحيد الذي قدر ان يجمعهم اعطني مما يشربون حتي اذوب بينهم ، تثاقل جسدي و انا اغني و اتمايل مع بعض مرتادي الحانة الرؤية تشوشت و فجاءة اظلمت.
صنوبر!! هل انا في حي التجار صحوت من النوم لاجد نفسي ممدد علي الارض فوقي يدي اليمني احد الفرنك و في يدي احدي الزجاجات و ممدد علي يساري صاحب رائحة الكافور و الصنوبر و فوق راسي احد السلاجقة ، حقا خليط عجيب لي اي احد يمر علينا و ما العجب في هذا طالما كانت البلاد شهر في حكم هذا و شهر في حكم ذاك ، يتغير علينا الحكام كم يتغير العشاق علي الغانية ، تفوح منا جميعا رائحة عرق واحدة ، لكزت صاحب رائحة الكافور و الصنوبر لكي يستيقظ ، تثاءب قالا " اين انا !! " ، لم ابالي لسؤاله فلم افق بعد من ثمالة البارحة فقلت له ضاحكا "  اتعرف من عشر سنوات كنت تحبسني في بيت كلب التاجر الذي يدعي عامر و الان نحن اصدقاء كأس واحد " ، جحظت عيناه هز السلجوقي مرتعدا هزا قويا و كلمه بي بعض الكلمات التي لما افهم منها غير إمام وجري و انا اهتف له لا تخف لن افشي بسرك لي احد ، كنت في ذهول مما حدث علي الرغم من ان هو الي بيده ان يفضحني فمن راي من قبل امام سكير ، اخرجني من ذهولي دفعة من شخص فالتفت فاذا بالفرنكي دفعني عندما كاد السلجوقي ان يفتك بي بسيفه لازالت اثار الثمالة علينا فلم ينال مني فجريت الي خارج البلدة و انا انظر خلفي فتجمع الناس بعد ان اتي بهم صاحب الريح العفن و نفد الفرنكي ايضا بجلده.
نقلت الاخبار لمنبوذي الجبل فاجمعوا علي انهم لان يرهبهم الحامية و انهم سيقابلون العنف بالعنف و اذا لاقوا مواجهة من ابناء البلدة سيقضون علي القافلة باكلمها ، " اتقتلون اخوانكم الا تعقلون " ، يا امام هذا اوقات نحن في غني عن نصحك ، يذبحونا و نسكت عليهم الم يكفيهم طردهم لنا الي الجبال القاتلة شتاءا و يزيدون عليها قتلنا جوعا " ، يهمم الجميع بالرضا علي راي هذا الرجل ، ساكون مضطر لمشاركتهم الهجوم الشرس الذي ينوون عليه ، قبل ذلك كنت لا اهتم فاني اهاجم فرنكي او سلجوقي او تركماني جاء لبلدتي و طردنا تعسفا لكن الان أأقتل بنو بلدتي ، ساضطر ان اذهب لاني ان لم اذهب سيحملوني تبعات مقتل احد الرجال و نحن قلة الان.

متمركزين الان حول الطريق بعضنا اخذ موقعه فوق الاراضي المرتفعة ، اما انا فتمركزت مع بعض الرجال بين الاشجار امسك بقوسي كنانتي علي ظهري و سيفي في غمده ، ننتظر القافلة المغادرة من كفرطاب لم يعد يهتم احد الي اين القافلة ذاهبة ، ستنُهب القافلة ايا كان ما يحملونه ، قاربت الشمس علي الشروق رائحة رائعة للغابة  وقت كهذا لكن من ينتبه ف ظل ما نحن بصدده ، يقطع صوت طائر تفكير في الغابة ، انه الصوت المتفق عليه اذا القافلة علي وشك الظهور ، ها هي ظهرت اربع فرسان في بداية القافلة ياتي وراءهم الجمال محملة بالبضائع و الاقوات ، بعض الجنود الراجلين وسط القافلة و ايضا بعض الفرسان علي جانبي القافلة ، لم يتم اعطاء اشارة الهجوم بعد ، يتواجد بعض الهوادج في القافلة يالا حظهم التعس هؤلاء النساء مبين كل اليوم يسافرون في يوم الذي سيتم الفتك بالقافلة .
تم اطلاق اول سهم في صدر احد الفرسان متقدمي القافلة ، كنت ارجو ان لا يقاوموا لكنهم بدأوا في تنظيم صفوفهم ، بدأت المعركة الاسهم تتراشق علي القافلة من كل مكان لم اطلق اي سهم بعد ، ما هذه الرائحة اني اؤلفها ، الصنوبر نعم انها رائحة الصنوبر ها هو يتبختر علي حصانه ، فلتكن نهايتك علي يدي ايها المتجبر خائن عشرة الكأس ، اشد وتر قوسي بعد وضع السهم به احبس انفاسي اطلق السهم ، لم يصبه السهم كم انت محظوظ ايها الخائن ، اسحب سهماً اخر لكن ما هذا الذي يحدث انه ينزل من علي حصانه و يتجه للهودج الذي كان علي يساره عندما اخطاه السهم و اصاب الهودج ، ثم امراة وقعت علي الطرف الناحية الاخري من الجمل ، يصرخ كالنساء علي مصيبته ، أقتلت زوجته ؟ حبيبته ؟ ام أمه ؟ يا تري ما جنيت يدي ، يالا حظي العاثر أأول من اقتل من الابرياء تكون امرأة ، يغطيها ببعض اقمشة الهودج ، قام كالثور الهائج يطيح في رجال الجبل ، اتجه نحوه استل سيفي اخطو بجوار المرأة التي قتلتها خطاً لا اقو علي النظر اليها ، اقتربت منه لكن عقلي ليس في المعركة ، ما هذه الرائحة التي تنبعث من هذه المرأة ، رائحة الدم هي الاغلب لكن هناك رائحة اخري.

يا الهي ماذا اقترفته يداي ، اتمني من الله ان تكون خادعتني انفي ، كل همي الان ارفع الغطاء عن الجثة لأتاكد من كذب هذه الحاسة اللعينة ، نعم رائحة الدم مختلطة بالخزامي كما توقعت ، هل هذا عقابي لاني رضيت بالهجوم علي الابرياء ، لماذا انا من يعاقب ، لماذا تتحول اجمل ذكرياتي مع الخزامي الي لعنة روحي ، الان ارتاح الان فقط ارتاح ، عيناي تنظر الي رقية في لبس عرسها  ، رائحة المعدن تمتزج بدمي ، هذه ازكي رائحة تنفستها رائحة الخزامي ممزوجة بدمها و دمي بالمعدن الذي انهي ألمي في التو.

No comments:

Post a Comment